محمد جمال الدين القاسمي

478

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقال الراغب : واختلف إذا اضطر إلى ذلك في دواء لا يسدّ غيره مسدّه . والصحيح أنه يجوز له تناوله للعلّة المذكورة ، يعني : إبقاء روحه بجهة ما رآه أقرب إلى إبقائه ، وهي التي أجيز تناوله ما ذكر له للجوع . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكله حال الضرورة رَحِيمٌ حيث رخّص لعباده في ذلك إبقاء عليهم . ثم أعاد تعالى وعيد كاتمي أحكامه - إثر ما ذكره من الأحكام - تحذيرا لهذه الأمة أن يسلكوا سبيل من عنوا به ، وهم أهل الكتاب ، فقال سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 174 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 174 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ أي : من حدوده وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى بالبيّنات والهدى وَيَشْتَرُونَ بِهِ أي : يأخذون بدله ثَمَناً قَلِيلًا أي مما يتمتعون به من لذات العاجلة . وقلّله لحقارته في نفسه . ففيه إشعار بدناءة نفوسهم حيث رضيت بالقليل ، أو بالنسبة لما فوّتوه على أنفسهم من نعيم الآخرة الذي لا يحاط بوصفه أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ أي ما يستتبع النار ويستلزمها ، فكأنه عين النار ، وأكله أكلها ، و فِي بُطُونِهِمْ متعلق ب يَأْكُلُونَ وفائدته : تأكيد الأكل وتقريره ببيان مقرّ المأكول . قال الراغب : أكل النار : تناول ما يؤدي إليها . وذكر الأكل لكونه المقصود الأول بتحصيل المال . وذكر فِي بُطُونِهِمْ تنبيها على شرههم وتقبيحا لتضييع أعظم النعم لأجل الطعم الذي هو أحسّ متناول من الدنيا . . ! وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ قال الراغب : لم يعن نفي الكلام رأسا ، فقد قال : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [ الأعراف : 6 ] ، وقال : وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ [ الكهف : 52 ] . وإنما أراد كلاما يقتضي جدوى ؛ ولهذا قال الحسن : معناه يغضب عليهم تنبيها أنهم بخلاف من قال فيهم تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ . وقيل : حقيقة ( كلّمته ) حملته على الكلام ، نحو حركته ، لأنّ